Get Adobe Flash player

 الإستاد الدكتور  محمد راتب النابلسي – دكتوراه في التربية من جامعة دوبلن البريطانية

 

  المنطلقات العقدية لمؤسسة التزام للمعايير الأخلاقية

 

إن طوفان الفساد، في هذه الأيام، حمل من الأوبئة الخلقية الشيء الكثير، ولاسيما في قطاع المهن؛ حمل: الكذب والدجل، والغش والتدليس، والطمع والجشع، والمكر والحيلة، والحرص والبخل، والترف والتبذير، وأكل السحت والمال الحرام.

 


إن السعادة الحقة لا تجلب أبداً من الخارج، وإنما هي شعاع من نور، يولد، ويكبر في داخل الإنسان، ويضيء جوانب الحياة كلها، ويجعلها أكثر قيمة ومنطقية، وأكثر تهيّئاً للنمو والتقدّم والاستمرار، وكل ذلك مرهون بأوضاع تسود فيها الأحكام الأخلاقية، ويعلو فيها صوت الالتزام والاستقامة، وترفرف في أرجائها إشراقات النفس.

إن الذين نُكِنُ لهم عظيم الاحترام ليسوا أولئك الذين يملكون كثيراً من المال أو الدهاء والمكر أو القوة الجسدية الخارقة، وإنما نُكِنُ عظيم الاحترام لأولئك الذين يملكون خُـلق التسامي وخلق الترفع عن المكاسب المادية السريعة، التي تبني المبادئ والقيم التي ينبغي أن يتمتع بها أفراد كل حرفة وأولئك الذين انتصروا على التحديات داخل نفوسهم، وأولئك الذين يملكون فضيلة الانتظار والتضحية بالعاجل في سبيل الآجل.

إنه بالإمكان أن نقول: إن طابع الرقي الحقيقي هو طابع إيماني أخلاقي، أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً، والجاذبية التي تتمتع بها القرون الأولى من تاريخ هذه الأمة تنبع بشكل أساسي من طابع الاستقامة والنبل والتضحية ... وليس من التفوق في الحروب أو العلوم أو العمران.

ولعل الطريق الوحيد إلى كسر أغلال الشهوات يكون عن طريق إحداث ( انتفاضة ) إيمانية أخلاقية يستعلي بها الإنسان على المعطيات المادية للوضع الحضاري الراهن، ويلتفت إلى إثراء حياته بوسائل كثيرة، لا تحتاج إلى المال.

إن دراسة الحضارات توقفنا على حقيقة كبرى، وهي أن مصير الإنسان كان يتوقف دائماً على أمرين: علاقته بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان. والبعد النفسي والأخلاقي هو المركز والمحور في هاتين العلاقتين. وحينما ينحطّ الإنسان يتحول عن عبادته لربه إلى عبادته شهواته. وتعتمد علاقته بالآخرين على القوة لا على الرحمة، وعلى العنف لا على التفاهم، وينصرف الإنسان عن العناية بالنفس إلى العناية بالجسد، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة، ويتحول المجتمع كله إلى غابة يحسُ كل واحد فيها أن من حقه افتراس الآخرين، كما أنه من الممكن أن يكون فريسة لأي واحد منهم, هذا هو مجتمع الغاب.
والطريق الوحيد للحيلولة دون هذه الحالة يَكْمُنُ في تدعيم الرقابة الذاتية، وتعزيز علاقة الإنسان بربه ـ جل وعلى ـ وتحفيز الإرادة الخيِّرة في الناس وهذا الحل وإن كان مكْلفاً على المدى القريب؛ فإنه سفينة نوح على المدى البعيد.

لابدَّ أن نكون على يقين من أن تيار الشهوات والنزوات الجارف لا يمكن أن يقابل إلا بتيار إيماني مُتَدفِّق من المشاعر والأحاسيس الإنسانية؛ فوظيفة الفكر الدلالة على الطريق، وعلى الأساليب والأدوات المناسبة للعمل؛ ولكن الذي نستمد منه الطاقة على الاندفاع في طريق الخير، والقوة على كبح جماح الشهوات هو الإيمان العميق، ورصيدنا من المشاعر الحميمة التي هي ثمرة الاتصال بالله.

إن الأخلاقيين اليوم هم القادة غداً، وهل يعرف فضل الماء إلا عند اشتداد الظمأ.
ويعاني السواد الأعظم من الناس من أصحاب الحرف الذين لا يلتزمون بالواجب المهني وهو المبدأ الذي يتجاوز المصلحة المباشرة والفردية؛ ليعكس تسامي الإنسان أو قدرته على الالتزام تجاه غيره، والتضحية من أجل غيره.

وما الشعور بالواجب إلا ثمرة للشعور بشرف الانتماء إلى الجماعة وبالرغبة في الذوبان فيها. فإذا عجز الإنسان عن الالتزام الجماعي أباح لنفسه كل ما استطاع أن يحرِّمه على غيره.

والذي نريد أن نقوله: إننا اليوم في أَمَسِ الحاجة إلى إيجاد مدخل جديد للتنمية الأخلاقية، يقوم على منح بعض الثوابت القيمية والأخلاقية معاني جديدة أو اهتمامات خاصة ببعض مدلولاتها، بغية التخفيف من حدّة وطأة التخلُّف الذي يجتاح حياة المسلم، فالتقوى في حياتنا المعاصرة بحاجة إلى إثراء مفرداتها كي تتناول بعض الفروض الحضارية، مثل: الإسراع إلى العمل، وإتقان العمل، وتطوير العمل، والمحافظة على الوقت، وحسـن إدارته، والعمل المؤسساتي، وترسيخ مفهوم فريق العمل، والالتزام بالمواعيد، وحسن التصرّف بالإمكانات المتاحة، وترشيد الاستهلاك ... وكل هذه القيم المعاصرة لها أصول ثابتة في القرآن والسنة

منقول عن منشورات مؤسسة التزام دبي http://iltezam.org

نشاطات المؤسسة

 

النشرة البريدية